المسيرة المهنية لناعمة الطنيجي
على مدى سنوات عملي في تدريب القيادات والموظفين في المؤسسات الحكومية والخاصة، كنت أحرص بعد انتهاء كل برنامج تدريبي على متابعة أثره في بيئة العمل. لم يكن يشغلني عدد الحاضرين أو مستوى رضاهم عن الدورة بقدر ما كان يشغلني سؤال واحد: هل غيّر هذا التدريب طريقة عملهم بالفعل؟
ومع تكرار التجربة، بدأت ألاحظ نمطًا يكاد يتكرر في معظم البرامج التدريبية، مهما اختلف موضوعها. كان المتدربون يغادرون القاعة بحماس كبير، ويتحدثون عن الأفكار الجديدة التي اكتسبوها، ويبدون استعدادًا لتطبيقها فور عودتهم إلى أعمالهم. لكن بعد أسابيع أو أشهر، كنت أكتشف أن كثيرًا من تلك المعارف لم تتحول إلى ممارسات يومية، وأن الحماس الأول بدأ يتراجع أمام ضغوط العمل وروتينه.
في البداية، كنت أعتقد أن السبب يعود إلى كثرة المسؤوليات أو ضيق الوقت، لكن مع مرور السنوات أدركت أن المشكلة أعمق من ذلك. فالخلل لم يكن في جودة التدريب، ولا في رغبة الموظفين في التعلم، وإنما في الاعتقاد السائد بأن نقل المعرفة وحده كافٍ لإحداث التغيير.
لقد علمتني قاعات التدريب أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يعرف الإنسان شيئًا، وأن يمتلك القدرة على استخدامه بكفاءة في الوقت والمكان المناسبين. فالمعرفة يمكن أن تُكتسب في ساعات، أما القدرة فتُبنى بالممارسة، والتوجيه، وتوفير الأدوات المناسبة، وخلق بيئة عمل تشجع على التطبيق المستمر.
واليوم، وأنا أتابع سباق المؤسسات نحو تدريب موظفيها على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، أجد نفسي أسترجع المشهد ذاته بصورة مختلفة. فقد أصبحت الدورات التعريفية بالذكاء الاصطناعي تتزايد بوتيرة غير مسبوقة، وأصبحت المؤسسات تتفاخر بعدد الموظفين الذين حصلوا على شهادات حضور، بينما يظل السؤال الأهم غائبًا:
كم موظفًا أصبح يستخدم الذكاء الاصطناعي فعليًا في أداء عمله اليومي بطريقة آمنة، واعية، ومنتجة؟
من وجهة نظري، هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل القيادات اليوم. فالتحدي الحقيقي لم يعد في تعريف الموظفين بالذكاء الاصطناعي، بل في تمكينهم من توظيفه بطريقة تضيف قيمة حقيقية لأعمالهم، وتحافظ في الوقت نفسه على جودة المخرجات، وسرية البيانات، والالتزام بالضوابط المؤسسية.
وهنا بدأت أقتنع بأن المؤسسات لا تحتاج إلى المزيد من الدورات بقدر حاجتها إلى بناء طلاقة الذكاء الاصطناعي في العمل؛ تلك القدرة التي تجعل استخدام الذكاء الاصطناعي مهارة عملية يمارسها الموظف بثقة ومسؤولية، وليست مجرد معرفة نظرية تنتهي بانتهاء البرنامج التدريبي.
من واقع الخبرة | ناعمة الطنيجي
تعليقات
إرسال تعليق