المسيرة المهنية لناعمة الطنيجي
عنوان المقال: جيل Z: كيف صنعت التحولات الاجتماعية والتقنية جيلاً أكثر إنسانية واتصالاً بالآخر؟
نبذة عن الكاتبة:
الكاتبة والباحثة الاجتماعية ناعمة الطنيجي، ماجستير في البحوث الاجتماعية والبحث العلمي جامعة السربون، بكالوريوس علم النفس التطبيقي، بكالوريوس إدارة الأعمال، 25 سنة خبرة في التدريب والقيادة الادارية والمجتمعية.
المقال:
انتهيت يوم الخميس الماضي من تقديم دورة « هندسة رأس المال الاجتماعي » لعدد من المؤهلين لقيادة مجموعة من الفرق والمهام المؤسسية، وكما يقتضي الشغف المهني لأي متخصص في المجال الاجتماعي، لم يكن اهتمامي منصباً على تقديم المادة العلمية للمشاركين فقط، بل على قراءة أنماط تفاعلهم، وطريقة تشكل العلاقات فيما بينهم، وما تكشفه هذه التفاصيل من مؤشرات اجتماعية أوسع.
وخلال الدورة، لفتت انتباهي مجموعة من السمات المتكررة بين المشاركين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى جيل Z؛ من سهولة بناء العلاقات والانفتاح على الآخر، إلى الحس الإنساني والاستعداد للعطاء، وهي ملاحظات دفعتني إلى التأمل في العوامل الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في تشكيل هذا الجيل. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
لم أخرج من الدورة بحكم يقول إن جيلاً كاملاً يتمتع بهذه الصفات؛ فذلك لا يتفق مع المنهج العلمي، ولا يمكن اختزال ملايين البشر في مجموعة واحدة من السمات.
لكنني خرجت بسؤال:
ما الذي صنع جيل Z؟
ولماذا نرى لدى كثير من أبنائه هذه الحساسية العالية تجاه الإنسان، والعلاقات، والتنوع، والمعنى، إلى جانب اهتمام لافت بالقضايا الإنسانية والبيئية والعالمية التي تتجاوز حدود تجاربهم الشخصية؟
قادني هذا السؤال إلى العودة إلى البيئة التي تشكّل فيها هذا الجيل، ومحاولة فهم العوامل الاجتماعية والثقافية والتقنية التي أسهمت في صياغة وعيه وقيمه وأنماط علاقاته.
يُستخدم مصطلح Generation Z أو Gen Z عادة للإشارة إلى الجيل الذي جاء بعد جيل الألفية Millennials، ويضع مركز Pew Research Center جميع من ولد منذ بداية عام 1997 وحتى عام 2012 ضمن هذا الجيل.
لكن الأهم من التاريخ نفسه هو العالم الذي وُلد فيه هذا الجيل.
فإذا كان جيل الألفية الأولى ( ماقبل عام 1997) قد شاهد الإنترنت وهو يدخل حياته، فإن أبناء جيل Z ( زي ) وجدوا أنفسهم منذ سنواتهم الأولى في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً طبيعياً من الحياة.
الهاتف المحمول، الإنترنت، محركات البحث، YouTube، ثم الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي لم تكن بالنسبة إليهم اختراعات ظهرت بعد اكتمال رؤيتهم للعالم. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
كانت جزءاً من العالم نفسه.
وقد أشار Pew إلى أن ما يميز جيل Z هو أن الاتصال المستمر والإنترنت المحمول ووسائل التواصل والترفيه عند الطلب أصبحت بالنسبة إليه أموراً مفترضة منذ الصغر، بينما اضطرت الأجيال السابقة إلى التكيف معها لاحقاً.
وهذا الاختلاف وحده كافٍ لكي يجعل تجربتهم الاجتماعية مختلفة جذرياً.
حين كنت أفكر في ميلهم إلى تكوين الصداقات، أدركت أننا أحياناً نحاول تفسير سلوك جيل جديد بمقاييس العالم القديم، الأجيال السابقة كانت شبكاتها الاجتماعية محدودة بدرجة كبيرة بما تسمح به الجغرافيا:
العائلة، الأقارب، الجيران، المدرسة، الجامعة، مكان العمل.الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
أما جيل Z فنشأ في عالم تستطيع فيه الصداقة أن تبدأ بين شخصين لم يعيشا في المدينة نفسها، وربما لا يتحدثان اللغة نفسها، ولا ينتميان إلى الثقافة ذاتها، قد يلتقيان بسبب لعبة إلكترونية، أو هواية، أو كتاب، أو تخصص، أو قضية، أو محتوى مشترك.
وهذه ليست مجرد قصة عن التكنولوجيا، إنها قصة عن تغير بنية العلاقات الاجتماعية نفسها.
لقد انتقلت العلاقات من كونها محكومة إلى حد كبير بالمكان، إلى إمكانية بنائها حول الاهتمام والقيمة والهوية المشتركة، ومن منظور رأس المال الاجتماعي، هذا تحول هائل.
أعتقد أن إحدى أهم سمات جيل Z هي أن «الآخر المختلف» أصبح حاضراً في حياته بصورة يومية منذ سن مبكرة، يشاهد ثقافات متعددة، يسمع لغات مختلفة، يتابع أشخاصاً من مجتمعات بعيدة، يشترك في فضاءات رقمية مع أفراد لا يشبهونه، والنتيجة المحتملة لهذا التعرض المستمر ليست أن الاختلاف يختفي، وإنما أن غرابته تقل.
وهذه نقطة مهمة جداً.
فالخوف الاجتماعي يتغذى كثيراً على المجهول.
أما حين يتحول المختلف إلى إنسان نتعامل معه بصورة متكررة، تصبح المسافة النفسية بين «نحن» و«هم» أقل صلابة.
وتُظهر أبحاث Pew في الولايات المتحدة أن جيل Z أكثر تنوعاً عرقياً وإثنياً من الأجيال السابقة، وهو ما يعني أيضاً أن قطاعات واسعة منه نشأت داخل بيئات اجتماعية أكثر تنوعاً منذ البداية.
ولا يمكن نقل نتائج المجتمع الأمريكي حرفياً إلى كل المجتمعات، لكنها تكشف عن تحول عالمي أوسع:
الأجيال الجديدة تنشأ في عالم أكثر اتصالاً وتنوعاً من العالم الذي نشأت فيه الأجيال السابقة.
وعندما أنظر إلى جيل Z في دولة الإمارات، أعتقد أن هناك عاملاً إضافياً لا ينبغي تجاهله، فالطفل هنا لم يكن بحاجة إلى الإنترنت لكي يتعرف إلى التنوع، لقد كان التنوع أمامه في المدرسة والجامعة والحي والمركز التجاري والمستشفى والعمل والمجال العام.
نشأ جيل كامل وهو يرى الجنسيات واللغات والثقافات المختلفة جزءاً من الحياة اليومية الطبيعية، ولهذا ربما لا يكون التسامح عند كثير من أبنائه مجرد «قيمة تعلموها»، بل خبرة اجتماعية عاشوها. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
وهناك فرق كبير بين أن نشرح لإنسان في العشرين من عمره معنى التعايش، وبين أن يكون قد نشأ منذ طفولته وهو يجلس إلى جوار أطفال من ثقافات متعددة ويعتبر ذلك أمراً اعتيادياً.
وهنا أرى إحدى أهم نقاط القوة في رأس المال الاجتماعي لدى جيل Z الإماراتي.
إن لديه فرصة كبيرة لبناء ما يسمى رأس المال الاجتماعي الجسري Bridging Social Capital؛ أي العلاقات التي تعبر الحدود التقليدية بين الجماعات وتصل بين أشخاص مختلفين اجتماعياً وثقافياً ومهنياً، إن جيل ( زي ) هم قادة اجتماعيون وانسانيون بالفطرة، إنهم متعاطفون، مراعون، متفهمون، وليسوا متحيزين، بالتأكيد هذا لا يعني أنها سمات عامة لجميع مواليد جيل زي، لكن هي السمات الأكثر شيوعا بينهم.
من الأمور التي لفتتني شخصياً في أفراد هذا الجيل حسهم الإنساني، لكن هل يعني ذلك أنهم أكثر إنسانية من الأجيال السابقة؟
ليس من الإنصاف علمياً أن نقول ذلك بهذه الصورة المطلقة، فكل جيل عرف العطاء والتضحية والتكافل بصوره المختلفة، لكن ما يبدو مختلفاً هو اتساع المجال الذي تُمارس داخله الإنسانية، واللغة التي يعبّر بها هذا الجيل عنها. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
جيل Z نشأ وهو يشاهد معاناة البشر لحظة حدوثها تقريباً، كارثة في دولة بعيدة تصل إليه عبر هاتفه، قصة إنسان مريض يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى حملة عالمية، قضية بيئية في قارة أخرى تدخل إلى حياته اليومية، مبادرة تطوعية يستطيع الانضمام إليها بضغطة زر، وحيوان مهدد بالانقراض قد يصبح موضوعاً يهتم به طفل لم يغادر مدينته قط.
بمعنى آخر:
لم يعد التعاطف مقيداً بالجغرافيا بالدرجة نفسها التي كان عليها في الماضي.
وهذا ربما يساعدنا على فهم الاهتمام القوي الذي يظهر لدى شرائح من جيل Z بقضايا البيئة والاستدامة والعدالة والصحة النفسية وغيرها.
فعلى سبيل المثال، وجدت أبحاث Pew أن البالغين من جيل Z والـMillennials في الولايات المتحدة أظهروا مستويات أعلى من الانخراط في قضايا المناخ عبر وسائل التواصل مقارنة بالأجيال الأقدم.
ملاحظتي الأخرى أثناء التدريب كانت مرتبطة بالانضباط،
هناك صورة نمطية شائعة تقول إن الجيل الجديد أقل التزاماً أو أقل استعداداً لتحمل المسؤولية، لكن ما رأيته يدفعني إلى التفكير بصورة مختلفة، ربما ليست المشكلة في الانضباط نفسه، ربما تغير مصدر الانضباط. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
في النموذج الإداري التقليدي كان الانضباط مرتبطاً بدرجة كبيرة بالإدارة:
هناك مدير يصدر تعليمات، وهناك موظف ينفذ.
أما جيل Z فيبدو أكثر ميلاً إلى سؤال:
لماذا أفعل هذا؟
ماذا سيضيف؟
ما أثره؟
هل يتفق مع قيمي؟
هل أتعلم منه؟
هل أحظى بالاحترام داخله؟
وعندما يجد إجابات مقنعة، قد يظهر مستوى مرتفعاً جداً من الالتزام.
وهذه الفكرة تتفق مع بيانات حديثة عن جيل Z في سوق العمل.
ففي مسح Deloitte العالمي لعام 2025، الذي شمل أكثر من 23 ألفاً من جيل Z والـMillennials في 44 دولة، قال 89% من أفراد جيل Z إن الشعور بالهدف أو المعنى مهم لرضاهم عن العمل ورفاههم، كما أظهرت النتائج أن عدداً كبيراً منهم مستعد لاتخاذ قرارات مهنية بناءً على قيمه ومعتقداته الشخصية. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
إذن نحن لسنا أمام جيل أقل انضباطاً، بل نحن أمام جيل يقول للمؤسسة:
أعطني سبباً أؤمن به، وسأعطيك التزاماً حقيقيا.
وهناك مفارقة أخرى وجدتها جميلة في جيل Z.
إنه جيل شديد الاهتمام بالفردية، يريد التعبير عن شخصيته، يريد أن يكون مختلفاً، يريد مساحة للاختيار، لا يقبل بسهولة أن تذوب هويته داخل الجماعة.
لكن المفارقة الجميلة، أن الجيل نفسه لديه تعطش واضح للانتماء، إلى صداقة حقيقية دافئة، إلى مجتمع رقمي متفاعل، إلى فريق متكاتف، إلى قضية يقاتل من أجلها، إلى مجموعة تشاركه اهتماماً أو قيمة أو هدفاً.
أي أننا أمام صيغة اجتماعية جديدة:
الفرد لا يريد أن يختفي داخل الجماعة، لكنه لا يريد أيضاً أن يعيش خارجها.
يريد أن يكون نفسه، وأن يكون جزءاً من «نحن» في الوقت نفسه، وهذه في رأيي من أكثر خصائصه أهمية بالنسبة إلى المؤسسات، لأن فرق العمل المستقبلية لن تقوم دائماً على التشابه، بل على قدرة أفراد مختلفين على بناء هوية مشتركة حول مهمة واحدة. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
تؤكد بعض البيانات الحديثة أيضاً المكانة الكبيرة التي تحتلها العلاقات في حياة هذا الجيل.
ففي دراسة Deloitte لعام 2025، جاءت الأسرة والأصدقاء في موقع بالغ الأهمية في تعريف أفراد جيل Z لأنفسهم، بل إن العمل نفسه جاء بعدهما في مركزية الهوية لدى نسبة كبيرة من المشاركين.
وهذا جعلني أعيد التفكير في ملاحظتي حول ميلهم إلى تكوين الصداقات، ربما الصداقة عند هذا الجيل ليست نشاطاً اجتماعياً هامشياً، بل قد تكون جزءاً من البنية الأساسية التي يبني من خلالها هويته وأمانه وشعوره بالانتماء.
وهذا يفسر أيضاً لماذا تصبح ثقافة الفريق، والعلاقات مع المدير، والشعور بالاحتواء عوامل مؤثرة جداً في علاقتهم بالمؤسسة.
مع كل ذلك، لا أريد أن أقدم صورة رومانسية عن جيل Z، الجيل الأكثر اتصالاً قد يكون أيضاً أكثر عرضة للشعور بالوحدة، والجيل الذي يعرف آلاف الأشخاص قد يواجه صعوبة في بناء عدد صغير من العلاقات العميقة، والإنسان الذي يتعرض يومياً لمعاناة العالم قد يصبح أكثر تعاطفاً، لكنه قد يصاب أيضاً بالإرهاق النفسي، والجيل الذي يستطيع التعبير عن نفسه باستمرار يعيش كذلك تحت ضغط المقارنة المستمرة مع الآخرين. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
لذلك فهناك فرق جوهري بين:
كثرة العلاقات
و
قوة رأس المال الاجتماعي.
رأس المال الاجتماعي لا يتكون بمجرد وجود شبكة كبيرة.
إنه يحتاج إلى:
الثقة، المعاملة بالمثل، الالتزام، القدرة على طلب الدعم وتقديمه، تبادل المعرفة، التعاون، والشعور بأنني أتحمل جزءاً من المسؤولية تجاه الجماعة التي أنتمي إليها.
ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام جيل Z قد لا يكون تكوين العلاقات، هو يجيد ذلك تماما، لكن التحدي هو تحويل الاتصال إلى ترابط.
وهنا بالتحديد التقت ملاحظتي بالموضوع الذي كنت أدرّسه.
كنت أقدم لهم مفهوم هندسة رأس المال الاجتماعي، ثم أدركت أنني أمام جيل يمتلك مادة خام هائلة لهذا النوع من رأس المال.
إنه يعرف كيف يصل إلى الآخرين، يتقبل شبكات متنوعة، يميل إلى تشكيل المجتمعات، يهتم بالمعنى، ويتفاعل بقوة مع القضايا الإنسانية.
لكن وجود هذه الاستعدادات لا يعني تلقائياً أنها ستتحول إلى قدرة مؤسسية، الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
هنا يأتي دور القيادة،
فالمؤسسة الذكية هي التي تستطيع أن تحول:
العلاقات إلى ثقة،
والثقة إلى تعاون،
والتعاون إلى تبادل للمعرفة،
والمعرفة إلى قدرة جماعية،
والقدرة الجماعية إلى أثر.
وهذا هو جوهر هندسة رأس المال الاجتماعي.
كثير من الخطابات الإدارية تحاول أن تجيب عن سؤال:
كيف نتعامل مع جيل Z؟
لكني أصبحت أعتقد أن السؤال نفسه يحتاج إلى تغيير.
فعبارة «كيف نتعامل معهم؟» تحمل أحياناً افتراضاً خفياً بأنهم مشكلة تحتاج إلى إدارة.
بينما قد يكون السؤال الأكثر ذكاء:
ما القدرات الجديدة التي دخلت إلى مؤسساتنا مع جيل Z، ولم نتعلم بعد كيف نستثمرها؟
ماذا لو كانت سهولة تكوين الصداقات قدرة على بناء الشبكات؟ الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
وماذا لو كان رفضهم لبعض أشكال الإدارة التقليدية دافعاً لبناء قيادة أكثر إقناعاً وأقل اعتماداً على الأوامر الجامدة؟
وماذا لو كان اهتمامهم بالصحة النفسية والرفاه الإنساني مؤشراً على تطور مفهومنا لبيئة العمل؟
وماذا لو كان اهتمامهم بالقضايا البيئية والاجتماعية يساعد المؤسسات على الاقتراب أكثر من مسؤوليتها تجاه المجتمع؟
وماذا لو كانت رغبتهم في أن يكون للعمل معنى قادرة على دفع المؤسسات نفسها إلى مراجعة معنى ما تقوم به؟
عندها قد نكتشف أن الاختلاف بين الأجيال ليس دائماً مشكلة.
قد يكون فرصة تطورية للمؤسسة.
وهنا أعود إلى الشباب الذين كانوا أمامي في الدورة.
بعض هؤلاء لن يبقى عضواً في فريق إلى الأبد.
سيصبح قائداً.
وسيدير فرقاً.
ويصنع قرارات.
ويبني مؤسسات.
وهذا يجعل فهم رأس المال الاجتماعي لهذا الجيل مسألة تتجاوز التدريب.
فنحن بحاجة إلى التفكير في شكل القيادة التي قد يصنعها جيل نشأ بهذه الطريقة.
هل ستكون قيادة أقل اعتماداً على الهرمية؟
هل ستكون الشبكات أكثر أهمية فيها؟
هل سيصبح التعاطف جزءاً من الكفاءة القيادية؟
هل تصبح القدرة على بناء الثقة بين المختلفين أهم من مجرد فرض الانضباط؟
وهل ينتقل مفهوم القيادة من السيطرة على الفريق إلى تفعيل العلاقات داخله؟
هذه أسئلة أعتقد أننا سنواجهها بصورة متزايدة خلال السنوات المقبلة.
قدمت دورة «هندسة رأس المال الاجتماعي» وأنا أفكر في كيفية تعليم المشاركين بناء شبكات الثقة والتعاون.
وخرجت منها بسؤال لم يكن ضمن شرائح العرض التي أعددتها:
من الذي هندس رأس المال الاجتماعي لجيل Z قبل أن يدخل إلى سوق العمل؟
هل هي الأسرة؟
أم المدرسة؟
أم التكنولوجيا؟
أم وسائل التواصل؟
أم التنوع الثقافي؟
أم التحولات التي شهدها العالم؟
أم أن هذا الجيل هو نتيجة تفاعل كل هذه القوى في لحظة تاريخية واحدة؟
ربما لا توجد إجابة بسيطة.
بل ربما تكون هذه هي الفكرة الأهم.الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
الأجيال لا تصنعها سنة الميلاد، بل تصنعها البيئات التي تنمو داخلها.
وجيل Z نشأ في واحدة من أكثر البيئات الإنسانية تغيراً واتصالاً في التاريخ الحديث.
ولهذا فإنني لا أرى أن مهمتنا هي أن نصنفه سريعاً بأنه جيل صعب أو حساس أو مختلف.
الأجدر بنا أن ندرسه.
أن نفهمه.
وأن نكتشف ما الذي يمكن أن يضيفه إلى مجتمعاتنا ومؤسساتنا.
فقد يكون بين أيدينا جيل يمتلك قدرة غير مسبوقة على الاتصال بالآخرين، وتجاوز الحواجز التقليدية، وتشكيل الشبكات، والبحث عن المعنى، والتفاعل مع القضايا الإنسانية.
لكن القيمة الحقيقية لهذه القدرات لن تظهر بكثرة الاتصالات ولا بعدد المتابعين.
ستظهر عندما يستطيع هذا الجيل أن يحولها إلى:
ثقة، وعطاء، ومسؤولية، وتعاون، وانتماء، وأثر مستدام.
وعندها فقط يصبح الاتصال رأس مال اجتماعياً.
وربما تكون هذه إحدى أهم الفرص التي يحملها جيل Z للمؤسسات والمجتمع في السنوات القادمة.
ومن المفارقات اللافتة أن كثيراً من أبناء جيل Z، وبخاصة مواليد أواخر التسعينات وبدايات الألفية، هم أبناء آباء وأمهات ينتمون إلى **جيل X**؛ أي الجيل الذي نشأ تقريباً بين منتصف الستينات ونهاية السبعينات.
وهذا يضيف بعداً مهماً لفهم تكوين جيل Z، لأنهم لم يتشكلوا بفعل التكنولوجيا والعولمة وحدهما، بل تربوا أيضاً على يد جيل عرف الحياة قبل الإنترنت والهواتف الذكية، وتشكلت لديه قيم ترتبط بدرجة أكبر بالاستقلالية، وتحمل المسؤولية، والانضباط، والاعتماد على النفس. الكاتبة والباحثة العلمية ناعمة الطنيجي
وربما كان جيل Z نتاج هذا التداخل بين عالمين: **قيم تربوية أكثر تقليدية ورسوخاً نقلها جيل X، وبيئة رقمية عالمية أكثر انفتاحاً عاشها الأبناء منذ سنواتهم الأولى**.
وهذا المزيج قد يساعد في تفسير بعض السمات التي نراها لديهم اليوم؛ من الانضباط وتحمل المسؤولية من جهة، إلى الانفتاح والتسامح وسهولة بناء العلاقات من جهة أخرى.
مركز Pew Research Center هو مركز أبحاث أمريكي مستقل وغير حزبي، مقره واشنطن، ويُعد من أشهر الجهات التي تنشر دراسات واستطلاعات عن المجتمع، الأجيال، الإعلام، التكنولوجيا، الدين، السياسة، والهجرة وغيرها.
نبذة عن الكاتبة:
الكاتبة والباحثة الاجتماعية ناعمة الطنيجي، ماجستير في البحوث الاجتماعية والبحث العلمي جامعة السربون، بكالوريوس علم النفس التطبيقي، بكالوريوس إدارة الأعمال، 25 سنة خبرة في التدريب والقيادة الادارية والمجتمعية.
تعليقات
إرسال تعليق