المسيرة المهنية لناعمة الطنيجي
ناعمة الطنيجي: تلقيتُ بكل تقدير دعوة خاصة لحضور الأمسية الوطنية المجتمعية «شكرًا للإمارات 2026»، المقامة تحت رعاية المجلس الأسري – أبوظبي، برئاسة الدكتورة راية خميس المحرزي، وتنفيذ وتنظيم سي إس آر لإعداد مبادرات المسؤولية المجتمعية (CSR)، بإشراف عام من الدكتورة فريال علي آل التركي، وذلك تحت شعار:
«وفاء لوطن أعطى... وشكر لمسيرة ألهمت العالم»
وقد وجدت في عنوان الأمسية معنى يستحق التأمل؛ لأن الشكر للوطن لا ينبغي أن يبقى مجرد عبارة وجدانية أو مناسبة احتفالية، بل يمكن أن يتحول إلى موقف، وسلوك، ومسؤولية، وعمل يترك أثرًا في المجتمع.
إن الإمارات لم تُبنَ فقط بالمشروعات الكبرى، ولا بالاقتصاد، ولا بالبنية التحتية، بل بُنيت قبل ذلك وبعده بالإنسان؛ بالثقة في قدرته، والاستثمار في تعليمه، وتمكينه، وفتح المجال أمامه ليشارك في صناعة مستقبل وطنه.
ومن هنا فإن الحديث عن الامتنان للإمارات هو في جوهره حديث عن علاقة متبادلة بين الوطن وأبنائه، وطن يمنح الأمن والاستقرار والفرص والكرامة، وأبناء يردون هذا العطاء بالعمل والإخلاص والانتماء والمبادرة.
ليس أصعب من أن يتحول الامتنان إلى مجرد كلمات تتكرر في المناسبات.
القيمة الحقيقية للشكر تبدأ حين يطرح الإنسان على نفسه سؤالًا بسيطًا:
ماذا قدمتُ أنا لهذا الوطن؟
ليس المقصود أن يكون الجميع أصحاب مبادرات كبرى، ولا أن يعمل كل فرد في المجال العام، وإنما أن يؤدي كل إنسان دوره بأفضل ما يستطيع.
المعلم الذي يربي جيلًا واعيًا يخدم وطنه.
والطبيب الذي يعمل بإخلاص يخدم وطنه.
والأم التي تنشئ أبناءها على المسؤولية والانتماء تخدم وطنها.
والموظف الذي يحترم عمله ويؤديه بكفاءة يخدم وطنه.
والباحث الذي يسهم في فهم قضايا المجتمع وتطوير الحلول يخدم وطنه.
ورائد الأعمال الذي يخلق فرصًا وقيمة للمجتمع يخدم وطنه.
والمتطوع الذي يمنح من وقته وخبرته يخدم وطنه.
بهذا المعنى، تصبح المسؤولية المجتمعية أكبر من نشاط مؤسسي أو فعالية موسمية؛ إنها ثقافة مشاركة في البناء.
أحد المعاني المهمة التي تعكسها أمسية «شكرًا للإمارات» هو الربط بين الوفاء للوطن وبين المسؤولية المجتمعية.
فالمجتمع القوي لا يعتمد على الحكومة وحدها، ولا على القطاع الخاص وحده، ولا على الأفراد وحدهم، بل على قدرة الجميع على العمل ضمن شبكة من المسؤوليات المتكاملة.
والمسؤولية المجتمعية ليست مجرد تبرعات أو رعاية فعاليات، رغم أهمية هذه الجوانب، وإنما هي وعي بأن لكل مؤسسة وكل فرد دورًا في تحسين جودة الحياة، ودعم الأسرة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتمكين الفئات المختلفة، والحفاظ على القيم والهوية.
وحين تتحول هذه المسؤولية إلى ممارسة مستمرة، فإنها تخلق ما يمكن تسميته رأس مال اجتماعيًا يقوم على الثقة والتعاون والانتماء والشعور بالمصير المشترك.
ويأتي انعقاد الأمسية تحت رعاية المجلس الأسري – أبوظبي ليضيف بعدًا مهمًا إلى المناسبة.
فالأسرة هي أول مكان يتعلم فيه الإنسان معنى الانتماء، والمسؤولية، والاحترام، والعمل، والعطاء.
وإذا أردنا مجتمعًا قويًا، فلا يمكن تجاوز الأسرة بوصفها نقطة البداية.
لهذا فإن أي جهد يهتم بالأسرة، ويعزز قيمها، ويربطها بالهوية الوطنية والمسؤولية المجتمعية، هو في الحقيقة جزء من مشروع أوسع لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على الاستمرار.
حين ننظر إلى تجربة دولة الإمارات، نجد أن الاستثمار في الإنسان كان دائمًا جزءًا أصيلًا من مشروع الدولة.
من التعليم إلى الصحة، ومن تمكين المرأة إلى دعم الشباب، ومن بناء المؤسسات إلى ترسيخ قيم التسامح والانفتاح، تشكلت مسيرة تنموية لم تنظر إلى الإنسان بوصفه مستفيدًا فقط، بل شريكًا في البناء.
وهذا هو الفارق الجوهري.
فالمواطن ليس متلقيًا للخدمات فحسب، وإنما حامل للمسؤولية أيضًا.
وكلما ارتفع مستوى الوعي بهذه المسؤولية، أصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية مكتسباته وصناعة مستقبله.
أكثر ما يلفتني في عنوان «شكرًا للإمارات» هو أنه يمكن أنه ليس رسالة عاطفية فحسب بل مفهوم عملي.
فالامتنان الحقيقي للوطن لا يكتمل إلا حين يتحول إلى أثر.
والأثر لا يشترط أن يكون ضخمًا أو صاخبًا.
قد يكون فكرة.
قد يكون مبادرة.
قد يكون موقفًا أخلاقيًا.
قد يكون مشروعًا يخدم الناس.
قد يكون علمًا ينقل إلى جيل جديد.
قد يكون كلمة تُصلح علاقة أو توجه إنسانًا.
وقد يكون التزامًا صامتًا بأن يؤدي المرء عمله كل يوم بإخلاص.
هذا هو المعنى الأعمق للمسؤولية: أن يشعر الإنسان أن وجوده في المجتمع ليس منفصلًا عن مستقبله.
الإمارات وطن منح أبناءه الكثير، ولكن الأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بما تعطيه، بل كذلك بقدرتها على بناء إنسان يشعر بأن عليه واجبًا تجاهها.
ومن هنا يصبح الوفاء للوطن ليس مجرد احتفال بالماضي، بل التزامًا بالمستقبل.
أن نحافظ على ما تحقق.
أن نطوره.
أن ننقل قيمه إلى الأجيال القادمة.
وأن نترك لمن يأتي بعدنا مجتمعًا أكثر وعيًا وتماسكًا وقدرة على البناء.
أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى المجلس الأسري – أبوظبي برئاسة الدكتورة راية خميس المحرزي، وإلى سي إس آر لإعداد مبادرات المسؤولية المجتمعية (CSR)، وإلى الدكتورة فريال علي آل التركي، على الدعوة الكريمة لهذه الأمسية الوطنية.
وما أجمل أن تكون مناسبة الشكر للإمارات فرصة نتذكر فيها أن حب الوطن لا يُقاس بما نقوله عنه فقط، بل بما نضيفه إليه.
فالوطن الذي أعطى يستحق منا أن نعطي.
والانتماء الذي نفتخر به يستحق أن يتحول إلى مسؤولية.
والامتنان الحقيقي لا يكتمل إلا حين يصبح عملًا، وأثرًا، وإرثًا يستمر للأجيال القادمة.
شكرًا للإمارات... وطنًا أعطى، ومسيرةً ألهمت، ومسؤوليةً نحملها جميعًا.
تعليقات
إرسال تعليق