ناعمة الطنيجي: نحن بنات الإمارات نعم نستطيع

ناعمة الطنيجي تكتب: نحن بنات الإمارات"نعم نستطيع" 

17 مايو 2003

عدت اليوم من جامعة زايد وأنا أحمل بين يدي رسالة شكر وتقدير من الأستاذ إد فريدمان، الأستاذ المشارك في كلية علوم الاتصال والإعلام. كانت رسالة قصيرة في عدد كلماتها، لكنها كانت عميقة في أثرها، لأنها أكدت لي أن الكلمة الصادقة حين تخرج من إيمان حقيقي يمكن أن تتجاوز لحظة الحديث، وأن تصل إلى الإنسان وتبقى في ذاكرته. ناعمة الهاشمي الطنيجي

كانت مشاركتي في فعالية «Yes WE Can – نعم نستطيع» أكثر من مجرد لقاء أتحدث فيه أمام طالبات الجامعة. بالنسبة لي، كانت فرصة لأشارك شابات إماراتيات في مرحلة مهمة من حياتهن فكرة أؤمن بها وأعيشها: أن المرأة الإماراتية قادرة على أن تكون فاعلة في مجتمعها، وقادرة على أن تصنع مستقبلها، وأن تتقدم في مختلف المجالات من دون أن تتخلى عن هويتها وقيمها ودورها في أسرتها ووطنها.

وقد كتب الأستاذ فريدمان أن حديثي ترك أثرًا كبيرًا في الحضور، وأن رؤية نساء إماراتيات ناجحات يتحدثن إلى الطالبات ويقدمن لهن نماذج حقيقية لما يمكن أن يصلن إليه تمنحهن أملًا أكبر في المستقبل.ناعمة الهاشمي الطنيجي

توقفت طويلًا عند هذه الكلمات.

لأنني لم أذهب إلى الجامعة لأتحدث عن نجاح شخصي، ولم أكن أرى نفسي أمام الطالبات باعتباري نموذجًا مكتملًا. كنت واحدة منهن؛ شابة في العشرينات، تخوض بداياتها المهنية، وتتعلم، وتحلم، وتبحث عن موقعها في عالم يتغير بسرعة.

كنت أريد أن أقول لهن إن الطريق الذي نمشيه اليوم يمكن أن يصبح أكثر اتساعًا لمن تأتي بعدنا.

وأن نجاح المرأة لا ينبغي أن يقاس فقط بما تحققه لنفسها، وإنما أيضًا بما تفتحه من أبواب لغيرها.ناعمة الهاشمي الطنيجي


من تجربة شخصية إلى رسالة اجتماعية

حين وقفت أمام طالبات جامعة زايد، كنت أشعر أنني أمام جيل يحمل طموحات كبيرة، لكنه يحمل أيضًا أسئلة مشروعة عن المستقبل.

هل تستطيع المرأة الإماراتية أن تدخل مجالات جديدة؟

هل يمكنها أن تنجح مهنيًا من دون أن تفقد توازنها الأسري والاجتماعي؟

هل تستطيع أن تكون طموحة ومهنية، وفي الوقت نفسه زوجة وأمًا وابنة وشريكة فاعلة في مجتمعها؟

بالنسبة لي، الإجابة لم تكن محل تردد.

نعم، تستطيع.

فالمرأة ليست مطالبة بأن تختار بين إنسانيتها وطموحها، ولا بين أسرتها ونجاحها، ولا بين هويتها وانفتاحها على العالم.

إن بناء المرأة لذاتها لا يعني ابتعادها عن أسرتها، كما أن اهتمامها بأسرتها لا يعني إلغاء طموحها.

المرأة قادرة على أن تحمل مسؤوليات متعددة، وأن تنجح في أكثر من دور، متى امتلكت العلم، والثقة، والوعي، والقدرة على تنظيم حياتها، والإيمان بما تستطيع أن تقدمه.

وأؤمن أن المجتمع الذي يمكّن المرأة لا يمنحها امتيازًا؛ بل يستثمر في نصف طاقته الإنسانية.ناعمة الهاشمي الطنيجي

تمكين المرأة يبدأ من الثقة

كنت ولا أزال أؤمن أن تمكين المرأة يبدأ قبل الوظيفة والمنصب.

يبدأ من أن تؤمن الفتاة بأنها قادرة.

أن تعرف أن صوتها له قيمة، وأن علمها له أثر، وأن رأيها يمكن أن يسهم في تطوير مجتمعها.

فالفرص وحدها لا تكفي إذا لم تصاحبها ثقة بالنفس.

والتعليم وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى معرفة ومبادرة ومسؤولية.

ولهذا، فإن دوري، كما أراه، لا يقتصر على أن أعمل في مجال الإعلام أو أن أظهر أمام الجمهور، وإنما يمتد إلى أن أستخدم حضوري وكلمتي وخبرتي في بناء الوعي، وتشجيع المرأة الإماراتية على أن ترى في نفسها قدرة أكبر مما قد يتخيل الآخرون.

إن التأثير الحقيقي بالنسبة لي ليس أن يسمع الناس صوتك فحسب، وإنما أن تجعل هذا الصوت شخصًا آخر أكثر قدرة على أن يسمع صوته هو.

وهذا هو المعنى الأعمق الذي أراه في العمل الاجتماعي والإعلامي.

الإعلام بالنسبة لي مسؤولية وتأثير

كان الإعلام اختياري المهني، لكنه بالنسبة لي لم يكن يومًا مجرد وظيفة.

الإعلام رسالة ومسؤولية.ناعمة الهاشمي الطنيجي

الكلمة الإعلامية يمكن أن تصنع وعيًا، وأن تصحح مفهومًا، وأن تفتح نقاشًا، وأن تمنح إنسانًا الأمل في أن يغير واقعه.

ومن هنا جاءت علاقتي بالإعلام.

أؤمن أن الإعلامي لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للأخبار أو حاضرًا أمام الكاميرا، بل ينبغي أن يكون جزءًا من حركة الوعي في المجتمع.

أن يعرف القضايا التي تمس الناس.

أن ينحاز إلى المعرفة.

أن يحترم عقل الجمهور.

وأن يدرك أن كل كلمة يقولها يمكن أن تترك أثرًا يتجاوز اللحظة التي قيلت فيها.

ولهذا، فإن وجود المرأة الإماراتية في الإعلام بالنسبة لي ليس مجرد حضور مهني، بل هو حضور اجتماعي وثقافي.

عندما تتحدث المرأة الإماراتية أمام الناس، فهي لا تقدم نفسها فقط؛ بل تقدم صورة عن المرأة الإماراتية، وعن مجتمعها، وعن وطنها.

وهنا تكمن المسؤولية.ناعمة الهاشمي الطنيجي

نحن لا ننافس الرجل… نحن نبني معه

لم أكن أؤمن يومًا بأن تمكين المرأة يعني تحويل العلاقة بينها وبين الرجل إلى منافسة.

لا أرى مستقبل المرأة باعتباره معركة لإثبات أنها أفضل من الرجل.

إن القضية أكبر من ذلك.

نحن نريد مجتمعًا يستفيد من طاقات الجميع.

الرجل والمرأة شريكان في بناء الوطن، ولكل منهما دوره ومجاله ومسؤوليته.

وعندما تحصل المرأة على فرصة التعليم والعمل والإبداع، فإن الوطن هو الذي يستفيد.

وحين تنجح المرأة في مجال جديد، فإنها لا تنتزع مكانًا من أحد؛ بل توسع مساحة الممكن أمام المجتمع كله.

ولهذا كنت أريد للطالبات أن ينظرن إلى المستقبل لا باعتباره مساحة محدودة يتعين عليهن القتال من أجلها، بل باعتباره مساحة يمكنهن أن يسهمن في توسيعها.

نحن بنات زايد

كنت حريصة أيضًا على أن أربط الطموح بالهوية.ناعمة الهاشمي الطنيجي

فأنا أؤمن بأن انفتاح المرأة الإماراتية على العالم لا يعني أن تبتعد عن جذورها، وأن تقدمها في المجالات الحديثة لا يتطلب منها أن تتخلى عن قيمها.

لقد نشأنا في دولة وضعت الإنسان في قلب مشروعها التنموي، وأعطت المرأة مساحة متقدمة في التعليم والعمل والمشاركة في بناء الوطن.

وكان للشيخ زايد، حفظه الله، إيمان واضح بدور المرأة في المجتمع، وبقدرتها على أن تكون شريكًا أساسيًا في مسيرة الدولة.

هذه الثقة ليست مسؤولية بسيطة.

إنها أمانة.

ونحن بنات زايد لا نحمل اسم وطننا فقط، بل نحمل معه قيمه وصورته وإرثه الإنساني.

ولهذا، فإن نجاح المرأة الإماراتية في أي محفل لا ينبغي أن يكون نجاحًا شخصيًا منعزلًا؛ بل ينبغي أن يكون انعكاسًا لما تستطيع الإماراتية أن تقدمه حين تتاح لها الفرصة.ناعمة الهاشمي الطنيجي

نريد أن يرى العالم امرأة إماراتية متعلمة، واثقة، واعية، متمسكة بهويتها، منفتحة على الآخر، وقادرة على المشاركة في صناعة المستقبل.

كل امرأة تفتح بابًا لامرأة بعدها

من أكثر الأفكار التي بقيت معي من ذلك اللقاء أن الطريق الذي تسلكه امرأة واحدة قد يصبح طريقًا أسهل لعشرات النساء بعدها.

وهذا، في رأيي، أحد أسمى معاني النجاح.

أن لا يكون نجاحنا محطة نصل إليها ونقف عندها، بل أن يتحول إلى مساحة نفتحها للآخرين.

إذا دخلت امرأة مجالًا جديدًا، فإنها تمنح الأخريات شجاعة التجربة.

إذا تحدثت امرأة بثقة، فإنها قد تمنح فتاة أخرى الجرأة على التعبير.

إذا نجحت امرأة في موقع مهني أو اجتماعي، فإنها تغيّر تدريجيًا الصورة الذهنية لما يمكن للمرأة أن تكونه.

ولهذا أرى أن تمكين المرأة ليس شعارًا نردده، وإنما مسؤولية متبادلة بين الأجيال.

جيل يمهد الطريق لجيل آخر.ناعمة الهاشمي الطنيجي

وامرأة تساند امرأة.

ونجاح يتحول إلى فرصة.

وفرصة تتحول إلى تغيير.

ثم جاء التصفيق

حين انتهيت من حديثي، امتلأت القاعة بالتصفيق.

كان التصفيق جميلًا، لكنه لم يكن أكثر ما بقي في ذاكرتي.

ما بقي معي هو نظرات الطالبات.

تلك النظرات التي شعرت فيها بأن بعض الكلمات قد وصلت فعلًا.

ربما كانت هناك فتاة تفكر في دخول مجال جديد.

وربما كانت أخرى تحمل حلمًا لكنها لم تكن واثقة من قدرتها على تحقيقه.

وربما كانت ثالثة تحتاج فقط إلى أن تسمع امرأة أخرى تقول لها: أنتِ قادرة.

وفي تلك اللحظة أدركت مرة أخرى أن التأثير الاجتماعي لا يقاس دائمًا بحجم الحدث، وإنما بعدد القلوب والعقول التي تتحرك بعده.

إذا خرجت فتاة واحدة من القاعة وهي أكثر ثقة بنفسها، فقد كان للقاء معنى.

وإذا اتخذت فتاة قرارًا بأن تكمل تعليمها أو تدخل مجالًا كانت تخشاه، فإن تلك اللحظة تصبح أكبر من مجرد فعالية جامعية.

ورسالة الأستاذ فريدمان

اليوم، وصلتني رسالة الأستاذ إد فريدمان.

كتب لي فيها أن مشاركتنا جعلت فعالية «Yes WE Can» تجربة ستبقى في ذاكرة جامعة زايد، وأن رؤية الطالبات لنساء إماراتيات ناجحات في الإعلام وغيرها من المجالات تمنحهن أملًا أكبر في مستقبلهن.

وقال إن حديثي ترك أثرًا مهمًا في الحضور، حتى لدى من لم يفهموا اللغة العربية.ناعمة الهاشمي الطنيجي

ثم كتب لي عبارة شخصية أسعدتني كثيرًا:

«أنتِ شخص مميز جدًا.»

أقدّر هذه الكلمات، لكنني وجدت أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الثناء عليّ شخصيًا، وإنما في أنها جاءت مرتبطة بفكرة أكبر مني.

بفكرة إعداد شابات إماراتيات لأدوار قيادية في مستقبل الدولة.

وهنا تحديدًا شعرت أن مشاركتي لم تكن عني.

كانت عنهن.

عن جيل كامل من الإماراتيات اللواتي سيحملن في السنوات المقبلة مسؤوليات أكبر، وسيكنّ في مواقع أكثر تأثيرًا، وسيواصلن بناء دولة لم تتردد منذ بداياتها في الاستثمار في الإنسان.

نعم نستطيع

أحتفظ اليوم بهذه الرسالة باعتبارها واحدة من الذكريات التي سترافقني في مسيرتي.

وأنا ما زلت في بداية الطريق، أعرف أن أمامي الكثير لأتعلمه، والكثير لأحققه، والكثير من المسؤوليات التي ستفرضها السنوات المقبلة.

لكنني أعرف أيضًا أنني لا أريد أن يكون نجاحي شخصيًا فقط.

أريد أن يكون لي أثر.ناعمة الهاشمي الطنيجي

أريد أن تكون للكلمة التي أقولها قيمة.

وأن يكون للحضور الذي أمتلكه معنى.

وأن أستطيع، من خلال الإعلام والعمل الاجتماعي، أن أساهم في بناء وعي أكبر، وأن أكون صوتًا يشجع المرأة على أن ترى إمكاناتها، وأن تؤمن بحقها في التعلم والعمل والمشاركة وصناعة القرار.

فأنا أؤمن أن المرأة التي تعرف قيمتها لا تنتظر من يمنحها الثقة؛ بل تبدأ بصناعة ثقتها بنفسها، ثم تستخدمها لتمنح القوة لغيرها.

وأؤمن أن نجاح المرأة لا ينتقص من الأسرة، وأن الطموح لا يتعارض مع الأنوثة، وأن العمل لا يلغي دورها الإنساني، وأن الهوية لا تقف في طريق الانفتاح على العالم.

بل يمكن للمرأة أن تجمع كل ذلك.

يمكنها أن تكون أمًا وقيادية.

زوجة ومهنية.

ابنة وفية لوطنها وصاحبة رسالة.

يمكنها أن تنجح من دون أن تفقد جذورها، وأن تصل إلى العالم من دون أن تنسى من أين بدأت.

وهذه هي الرسالة التي أريد أن تبقى.ناعمة الهاشمي الطنيجي

ليس فقط للطالبات اللواتي التقيتهن في جامعة زايد، وإنما لكل فتاة إماراتية تنظر اليوم إلى المستقبل وتتساءل: هل أستطيع؟

أقول لها:

نعم، تستطيعين.

تعلمي.

احلمي.

اعملي.

تقدمي.

لا تخافي من المساحات الجديدة.

ولا تعتذري عن طموحك.

ولا تجعلي نجاحك نهاية الطريق؛ اجعليه بداية لطريق امرأة أخرى.

فنحن لا نعيش لأنفسنا وحدها.

نحن جزء من قصة وطن آمن بالمرأة، وفتح أمامها أبواب العلم والعمل، ومنحها الثقة والمساحة والمسؤولية.

ولهذا، فإن رسالتنا اليوم ليست أن نثبت أننا نستطيع.

بل أن نستخدم قدرتنا في بناء مجتمع أقوى، ووعي أعمق، ومستقبل أكثر اتساعًا للمرأة الإماراتية.

نحن بنات زايد.

وحين نقول:

نعم نستطيع

فإننا لا نردد شعارًا.ناعمة الهاشمي الطنيجي

إننا نعلن مسؤولية.

مسؤولية أن ننجح، وأن نؤثر، وأن نمكّن، وأن نفتح الطريق لمن تأتي بعدنا.

وأن نذهب بعيدًا في طموحنا، دون أن نبتعد يومًا عن جذورنا.





ناعمة الطنيجي 

تعليقات

الأكثر قراءة

المسيرة المهنية لناعمة الطنيجي

ناعمة الطنيجي تكتب: هذا ما تعلمته طوال سنوات عملي في التدريب.